فخر الدين الرازي

338

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وعمارا في جماعة وأمرهم أن يأخذوا الكتاب وإلا فاضربوا عنقها ، فلما أدركوها جحدت وحلفت فسل علي عليه السلام سيفه وقال : اللّه ما كذبنا فأخرجته من عقيصة شعرها ، واستحضر النبي حاطبا وقال : ما حملك عليه ؟ فقال : واللّه ما كفرت منذ أسلمت ولا أحببتهم منذ فارقتهم ، لكن كنت غريبا في قريش وكل من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون أهاليهم فخشيت على أهلي فأردت أن أتخذ عندهم يدا ، فقال عمر : دعني أضرب عنق هذا المنافق / فقال : وما يدريك يا عمر لعل اللّه قد اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ففاضت عينا عمر ، ثم خرج رسول اللّه إلى أن نزل بمر الظهران ، وقدم العباس وأبو سفيان إليه فاستأذنا فأذن لعمه خاصة فقال أبو سفيان : إما أن تأذن لي وإلا أذهب بولدي إلى المفازة فيموت جوعا وعطشا فرق قلبه ، فأذن له وقال له : ألم يأن أن تسلم وتوحد ؟ فقال : أظن أنه واحد ، ولو كان هاهنا غير اللّه لنصرنا ، فقال : ألم بأن أن تعرف أنى رسوله ؟ فقال : إن لي شكا في ذلك فقال العباس : أسلم قبل أن يقتلك عمر ، فقال : وما ذا أصنع بالعزى ، فقال عمر : لولا أنك بين يدي رسول اللّه لضربت عنقك ، فقال : يا محمد أليس الأولى أن تترك هؤلاء الأوباش وتصالح قومك وعشيرتك ، فسكان مكة عشيرتك وأقارب ، و [ لا ] تعرضهم للشن والغارة ، فقال عليه السلام : هؤلاء نصروني وأعانوني وذبوا عن حريمي ، وأهل مكة أخرجوني وظلموني ، فإن هم أسروا فبسوء صنيعهم ، وأمر العباس بأن يذهب به ويوقفه على المرصاد ليطالع العسكر ، فكانت الكتيبة تمر عليه فيقول من هذا ؟ فيقول العباس هو فلان من أمراء الجند إلى أن جاءت الكتيبة الخضراء التي لا يرى منها إلا الحدق فسأل عنهم ، فقال العباس : هذا رسول اللّه ، فقال : لقد أوتي ابن أخيك ملكا عظيما ، فقال العباس : هو النبوة ، فقال هيهات النبوة ، ثم تقدم ودخل مكة ، وقال : إن محمدا جاء بعسكر لا يطيقه أحد ، فصاحت هند وقالت : اقتلوا هذا المبشر ، وأخذت بلحيته فصاح الرجل ودفعها عن نفسه ، ولما سمع أبو سفيان أذان القوم للفجر ، وكانوا عشرة آلاف فزع لذلك فزعا شديدا وسأل العباس ، فأخبره بأمر الصلاة ، ودخل رسول اللّه مكة على راحلته ولحيته على قربوس سرجه كالساجد تواضعا وشكرا ، ثم التمس أبو سفيان الأمان ، فقال : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن فقال : ومن تسع داري ؟ فقال : ومن دخل المسجد فهو آمن فقال : ومن يسع المسجد ؟ فقال : من ألقى سلاحه فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن ، ثم وقف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على باب المسجد ، وقال : لا إله إلا اللّه وحده صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ، ثم قال : يا أهل مكة ما ترون إني فاعل بكم ، فقالوا : خيرا أخ كريم وابن أخ كريم ، فقال : اذهبوا فأنتم الطلقاء فأعتقهم ، فلذلك سمي أهل مكة الطلقاء ومن ذلك كان علي عليه السلام يقول لمعاوية : أنى يستوي المولى والمعتق يعني أعتقناكم حين مكننا اللّه من رقابكم ولم يقل : اذهبوا فأنتم معتقون ، بل قال : الطلقاء ، لأن المعتق يجوز أن يرد إلى الرق ، والمطلقة يجوز أن تعاد إلى رق النكاح وكانوا بعد على الكفر ، فكان يجوز أن يخونوا فيستباح رقهم مرة أخرى ولأن الطلاق يخص النسوان ، وقد ألقوا السلاح وأخذوا المساكن كالنسوان ، ولأن المعتق يخلى سبيله يذهب حيث شاء ، والمطلقة تجلس في البيت للعدة ، وهم أمروا بالجلوس بمكة كالنسوان ، ثم إن القوم بايعوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على الإسلام ، فصاروا يدخلون في دين اللّه أفواجا ، روي أنه عليه السلام صلى ثمان ركعات : أربعة صلاة الضحى ، وأربعة أخرى شكرا للّه نافلة ، فهذه هي / قصة فتح مكة ، والمشهور عند المفسرين أن المراد من الفتح في هذه السورة هو فتح مكة ، ومما يدل على أن المراد بالفتح فتح مكة أنه تعالى ذكره مقرونا بالنصر وقد كان يجد النصر دون الفتح كبدر ، والفتح دون النصر كإجلاء بني النضير ، فإنه فتح البلد لكن لم يأخذ القوم ، أما يوم فتح مكة اجتمع